ماذا تعرف عن التصميم البارامتري في العمارة؟

تصميم بارامتري
هل تساءلت يوماً من الأيام و أن تشاهد مبنىً للمعمارية زها حديد أو للمصمم فرانك غيري عن كيفية تشكيل الكتلة المعمارية بهذه الدقة و بهذا التعقيد؟ أو سألت نفسك “كيف فعلوا ذلك؟ و ماهي البرامج التي استعملوها لكي يتمكنوا من تصميم هذه الأشكال المعقدة؟”
إن السر وراء هذه التصاميم هو ما يسمى بالتصميم البارامتري . تعرفت على هذا التصميم حينما تعلمت هذه البرامج: راينو أو أوتوديسك ريفت أو أداة الغراسهوبر  ، وانبهرت بقدرتها على تكوين أية كتلة معمارية مهما بلغت درجة تعقيدها وصعوبة تجسيمها. حينها زال عجبي وتوقفت تساؤلاتي
أداة قراسهوبر
هذه البرامج ظهرت مع أواخر التسعينيات وهي التي دعمت هذا النوع من التصميم وعززت قدرة المعماري التصميمة والإبداعية لدرجة أنها الآن أصبحت أداة مطلوبةً في المكاتب العالمية ومقرراً إلزامياً في الجامعات الدولية. لذا دعونا نتعرف أكثرعن ماهية التصميم البارامتري وما معنى التصميم البارامتري؟
إن التصميم البارامتري يأتي من كلمة بارامتر  والتي تعني رياضياتياً العنصر القياسي أو العدد المتغير ضمن معادلة رياضياتية. إن تغيير قيمة هذا العنصر تؤثر على المعادلة الرياضياتية وتعطي نتائج مختلفة. ولكي أبسط لك عزيزي القارئ الموضوع دعنا نلجأ إلى أبسط مثال وهو حجم متوازي المستطيلات.
حيث كما نعلم أن حجم متوازي المستطيلات
= الطول X  العرض X الإرتفاع.
يعتبر كل من الطول و العرض و الإرتفاع في هذه المعادلة عنصراً قياسياً وبالأحرى بارامترياً لأن أي تغييرفي قيمة أحد هذه العناصر سيغير من حجم المتوازي ويغير من شكله كما في الصورة
هذا من الناحية الرياضياتية أما من الناحية المعمارية فلنأخذ العمود كمثال لشرح التصميم البارامتري في الهندسة المعمارية. فالعمود كما نعلم له ثلاثة أقسام رئيسية وهي القاعدة والجذع والتاج. و كل قسم من هذه الأقسام له عناصر تفصيلية تعطي هيئة العمود وتحدد طرازه. وبالتالي فإن أبعاد هذه العناصر التفصيلية تعتبر متغيرات وتؤثر تأثيراً جذرياً على شكل العمود، وأي تغيير عددي في قيمتها سيغير طراز العمود كلياً كما هو موضح في الصورة والتي استخدم فيها برنامج ريفت المعماري 2015.
إن التصميم البارامتري ليس اختراعاً جديداً فهو متأصل من علم الرياضيات وقد استخدم قديماً في المعمار وخير دليل على ذلك تصميم الإهرامات في مصر. الإهرامات كما هو معروف هي عبارة عن ثلاثة أشكال هرمية متفاوتة في الحجم، وتصميمها تتطلب دراسات لوغارثمية ومعادلات رياضية وخاصة في حساب عدد الأحجار المكونة لكل سطح من أسطح الهرم الواحد. وهي حسابات معقدة أخذت من المصممين المصريين عدداً من السنيين لإكمالها. فلو كان المصريون القدماء  يمتكلون البرامج البارامترية الحالية لكانوا أتموا هذه الحسابات في ساعات.
إن هذه البرامج قد وفرت على المعماريين والمصممين عمليات حسابية ضخمة كانت في السابق تستغرقهم شهوراً وسنيناً. حيث كلما زادت درجة تعقيد الكتلة المعمارية كلما زادت الحسابات تعقيداً وتشابكاً وزادت صعوبة تنفيذها على أرض الواقع من قبل الإنشائيين والمقاولين. هذه الصعوبات حدت من الإبداع في التصميم وجعلت الكتل المعمارية بسيطة وسهلة التنفيذ ونمطية وهذا ما نلاحظه حالياً في الطراز المعماري الحالي في ليبيا. حيث أن غياب هذه البرامج في المكاتب الهندسية والمناهج التعليمية جعل من التصميمات المحلية بسيطة ونمطية خوفاً من صعوبة التنفيذ في حالة كانت الكتلة معقدة. يقول المعماري فرانك غيري “إن برنامج كاتيا سهل عليَ التفاهم مع الحرفيين”. هذا التصريح كان نتيجة امتنانه لهذا البرنامج في جعل تصميمه لقبة السمكة في مشروع القرية الأولمبية في برشلونة واقعاً ملموساً. ويضيف ” في السابق كانت هنالك حواجز فكرية بيني وبين المقاولين وحرفيي البناء، مما جعلني أشعر أني أتكلم لغة غريبة عنهم. ولكن الآن و بشكل مفاجئ أصبح الحرفي يفهمني… إن الرسومات المعمارية الموضحة للأسطح المنحنية… جميلة و لكنها مضللة، و لكن مع كاتيا أمكنني بناؤها.” و كما هو معروف فإن برنامج كاتيا كان يختص بتصميم المركبات الفضائية وتبناه غيري لكي يستطيع تجسيم أفكاره المعقدة وتحليلها للمقاولين. و لكن غيري بعد ذلك طورهذا البرنامج ليجعل منه أحد البرامج البارامترية المعروفة حالياً وهو Digital Project.
إن مخيلة المعماري التصميمية غير محدودة والتصميم البارامتري عزز هذه المخيلة وأعطاها فرصة نحو الإنطلاق اللامحدود وأعطاها حرية واسعة في تحويل أية فكرة فضائية كما يسميها البعض إلى مبنىً ملموس. التكنولوجيا لها تأثير كبير على العمارة مؤخراً ويجب علينا كمعماريين ليبيين أن نقتنع بأهمية التصميم البارامتري وبأنه المحرك الأساسي للنهضة المعمارية في وقتنا الحالي. ليس أن نقتنع فقط بل يجب علينا مواكبة هذا التطور بتطوير أنفسنا أولاً وذلك بتعلم البرامج المختصة بالتصميم المتغاير (البارامتري) كبرامج (البيم) و لغات البرمجة وبرامج التحليل البيئي وغيرها. إن مواكبتنا للتكنولوجيا المعمارية سيمكننا من إدراك ما يحصل حولنا من تطور في مجال الإنشاء و التصميم ويجعلنا مثقفين معمارياً بحيث لن نعجز يوماً ما عن فهم مبنىً صمم بارامترياً ولا أن نسأل أنفسنا مرة أخرى “كيف صمم هذا؟”
Share on twitter
Twitter
Share on linkedin
LinkedIn
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print
سارة بن الأشهر
سارة بن الأشهر

مهندسة معمارية ومتخصصة في تقنية معلومات البناء
ماجستير في العمارة الرقمية من جامعة نبراسكا
ماجستير في تقنية معلومات البناء من جامعة بوليتيكنيكو ميلانو

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments